السيد كمال الحيدري
60
يوسف الصديق (رؤية قرآنية)
يجترئ على مسألة قاطعة ، بل ألقى مسألته كالعارض المستفسر ؛ وذلك لعدم إحاطته بالعوامل المجتمعة واقعاً على ابنه ، وما هو مصيره في ظلّ هذه العوامل ؟ في ضوء هذه الحالة نراه عليه السلام قد بدأ نداءه باسم « الربّ » لعلمه بأنّه مفتاح دعاء المربوب المحتاج السائل ، ثمّ قال : ) إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ( ، فكأنّه يقول : إنّ هذا يقضى بنجاة ابني ) وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ( « 1 » ، أي لا خطأ في أمرك ولا مرية في حكمك فلا أدرى يا ربّ إلى أين صار أمره ؟ ! وفى هذا المفصل المهم من القصّة يظهر الأدب الإلهى الذي يقرّر وقوف العبد على ما يعلمه فقط ، وأن لا يبادر إلى مسألة ما لا يعلم وجه المصلحة فيه . فنرى نوحاً عليه السلام قد ألقى قوله على وجه منه كما يدلّ عليه لفظ النداء في قوله : ) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ ( ، وفى هذا الصدد نراه ذكر الوعد الإلهى ولم يزد عليه شيئاً ولا سأله أمراً . وفى هذه اللحظة الحسّاسة أدركته العصمة الإلهية وقطعت عليه الكلام ، حيث جاءه الوحي الإلهى ليفسّر له معنى قوله في الوعد المتقدّم ) وَأَهْلَكَ ( وأنّ المراد بها هم الأهل الصالحون ، وقد قال تعالى من قبل : ) وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( ، فقد أخذ نوح عليه السلام بظاهر الأهل وأنّ المستثنى منهم هو امرأته فقط ، ثمّ أردفه الوحي بالنهى عن السؤال فيما ليس له به علم ، وهو سؤال نجاة ابنه . نتيجة لذلك فقد انقطع عنه السؤال بسبب هذا التأديب الإلهى ، واستأنف عليه السلام كلامه بشئ آخر تظهر منه صورة التوبة وحقيقة
--> ( 1 ) هود : 45 .