السيد كمال الحيدري

47

يوسف الصديق (رؤية قرآنية)

وهذا المعنى من سراية الاعتقاد في أجزاء العمل كثير المصاديق في الصفات الروحية ، فلا يخفى أنّ أعمال المتكبّر مثلًا تمثّل ما في نفسه من صفة الكبر والخيلاء ، وكذلك أعمال البائس المسكين فإنّها تحاكى ما في باطنه من الذلّة والاستكانة وهكذا . وبالرجوع إلى الآيات المباركة تبرز لنا حقيقة أُخرى هي أنّ الله سبحانه أدّب نبيّه الخاتم صلى الله عليه وآله وأمره بأن يقتدى بهداية من سبقه من الأنبياء عليهم السلام فقال : فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ( « 1 » ، ولم يقل « اقتد بهم » بل « بهداهم » . ومعروف أنّ الاقتداء إنّما يكون في العمل الخارجي وليس في الاعتقاد النفسي ؛ ضرورة أنّ هذا الأخير ليس اختيارياً بحسب نفسه ، فلا معنى للاقتداء بالنسبة للاعتقاد ، ومعنى ذلك أن يختار من أعمالهم الصالحة المبنيّة على التوحيد والتي صدرت عنهم بالاستناد إلى تأديب إلهي عملي . لكن ما هو هذا التأديب العملي الذي يجعل من أعمال الأنبياء عليهم السلام كالمرايا التي تعكس صورة التوحيد الحقيقي ؟ تنطلق الإجابة على هذا التساؤل من خلال التأمّل في قوله تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ( « 2 » . تنطوى هذه الآية الكريمة على إشارة دقيقة ومعنى عميق في

--> ( 1 ) الأنعام : 90 . ( 2 ) الأنبياء : 73 .