السيد كمال الحيدري
33
يوسف الصديق (رؤية قرآنية)
عناية ، وما أحاطهم به من رعاية لتوجيههم وتربيتهم تربية تعدّهم للنهوض بتبليغ الرسالات السماوية ومجابهة قوى الشرّ والطغيان في الأرض ، فابتلاهم بشتّى البلايا والمحن ، ولكن لا ليكلهم إلى نفوسهم ، ولا ليدعهم لضعفهم كبشر ، بل ليقوّى عزائمهم بالشدائد ، ويمنّ عليهم بمغفرته ورضوانه ومحبّته ، وبما أنعم عليهم من نعم الخلق والتربية والهداية والاصطفاء ، ويحيى فيهم الشعور بالضعف أمام قوّته ، وبالذلّة أمام عزّته ، وبالحاجة أمام غناه . فكان من أثر هذه التربية الروحية في نفوسهم أنّهم صاروا عنوان الأمانة والصدق والنزاهة ، ومثال الإخلاص لله والعمل في سبيله دون أدنى طمع أو منفعة شخصية في الدنيا « 1 » . الناحية الثانية : تربية الأنبياء لأقوامهم بتوجيهاتهم وسيرتهم حتّى يكونوا للمؤمنين بهديهم والعاملين بإرشادهم المثل الأعلى الصادق . وإذا كان الفنّان يرى مثله الأعلى في « الجمال » والفيلسوف في « الحقيقة » ، والأخلاقي في « الخير » ، فإنّ النبي يرى مثله الأعلى في « الله » وأتباعه يرونه في نبيّهم ، لأنّ مهمّة الرسل لم تكن مقصورة على تبليغ شرائع الله ، وعلى أن يكونوا أمثلة حيّة في تنفيذها وتطبيقها على أنفسهم ، بل أن يكونوا أيضاً قدوة للناس في إقامة العدل والحقّ ، وتسخير القوى والمواهب لإسعاد الخلق .
--> ( 1 ) راجع : الدكتور التهامي ، نفرة ، سيكولوجية القصّة في القرآن الكريم ، الشركة التونسية للتوزيع ، ص 553 .