السيد كمال الحيدري
29
يوسف الصديق (رؤية قرآنية)
الصمّاء في ذلك الجبل الذي تصدّع من خشية الله عزّ وجلّ ؟ ! ولِمَ لا تتفجّر هذه النفوس بينابيع الحكمة مقتدية بالحجارة التي تتفجّر منها الأنهار ؟ ! ولِمَ لا تهبط هذه الأعناق كالحجارة التي هبطت من خشية الله ؟ ! ينبغي أن نسأل أنفسنا أوّلًا : لماذا كانت هذه القصص أحسن القصص ؟ ولماذا أحسن الحديث ؟ فإنّا على أيّة حال أُولو الألباب المخاطبون بها ! إنّ قصص الأنبياء والمرسلين ليست هي إلّا دورات متكاملة في العبودية التي يسير بها الإنسان من موطن نفسه إلى قرب ربّه ، ويطوى المسافات المترامية من أرض البعد إلى حظيرة القرب ، وذلك من خلال الإعراض عن زخارف هذه الدنيا وأمانيها . . والانقلاع والتخلّص إلى الأبد عن وساوس الشياطين ، والإقبال والتوجّه إلى مقام الربّ ودار الكبرياء . « فإذا رجعنا مثلًا إلى قصّة إبراهيم عليه السلام وسيره بولده وحرمته إلى أرض مكّة وإسكانهما هناك وما جرى عليهما من الأمر حتّى آل الأمر إلى ذبح إسماعيل وفدائه من جانب الله وبنائهما البيت ، وجدنا القصّة دورة كاملة من السير العبودي الذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربّه . . . فهاهى وقائع متفرّقة مترتّبة تسلسلت وتألّفت قصّة تأريخية تحكى عن سير عبودىّ من العبد إلى الله سبحانه ، وتشمل من أدب السير والطلب والحضور ورسوم الحبّ والوله والإخلاص على ما كلّما زدت في تدبّره إمعاناً زادك استنارة