السيد كمال الحيدري

11

يوسف الصديق (رؤية قرآنية)

فالقصص القرآني ينفرد بميزة الواقعية التي تعانق وجدان الإنسان وتنفذ إلى صميم قلبه آخذةً بيده نحو أعماق الواقع الذي يمثّل الإنسان أحد أجزائه بل مركزه الذي يدور حوله كلّ شئ ، بدلًا من التحليق به في عالم الأوهام والتمنّيات التي ترمى به في وادى الخيال السحيق . لقد كانت القصص الواقعية التي أفرزتها المسيرة الإنسانية الطويلة ذات أثر كبير على صناعة الجيل الإنسانى عبر عصور التأريخ المترامية ، بل يذهب بعض كبار الأدب العالمي إلى أنّ التأريخ العام أو تأريخ ما أنجزه الإنسان هو في صميمه تأريخ عظماء الرجال الذين عملوا في هذه الدنيا ، وقد كان هؤلاء العظماء هم قادة الناس وهم المبدعون والأسوات والقدوات ، بل هم بالمعنى الواسع مبتكرو كلّ ما حاول السواد الأعظم من الناس أن يعملوه ، وكلّ ما نراه في هذه الدنيا قائماً مكتملًا هو بحذافيره النتيجة المادّية الخارجية والتحقيق العملي والتجسيم للأفكار التي استقرّت في نفوس هؤلاء العظماء الذين أُرسلوا إلى هذه الدنيا . وهؤلاء جميعاً يحملون بين جنوبهم ، هذا السرّ الغامض ، سرّ العظمة الذي تنزّل عليهم وأودع في قلوبهم ، فليسوا هم من مخلوقات الظروف وصنع الحوادث وإنّما هم الذين يخلقون الظروف ويصنعون الحوادث ويملون إرادتهم ويحقّقون مثلهم العليا « 1 » . ومن ثمّة نفهم أنّ القصص القرآني في موضوعه نسيج من الصدق

--> ( 1 ) عن كتاب الأبطال ، للكاتب والأديب الإنجليزى توماس كارليل ، نقلًا عن : موسوعة تراث الإنسانية ، المؤسّسة المصرية العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ، ج 1 ، ص 22 .