السيد كمال الحيدري

99

الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)

الصنف الثاني : الولاية التكوينية لغير الأنبياء عليهم السلام 1 . الصديقة مريم عليها السلام . قال تعالى : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ « 1 » . الآية المباركة تتحدّث عن أنّ زكريا عليه السلام لما صار كفيلًا لمريم من قبل الله تعالى ، وبعد أن بلغت مريم عليها السلام الرشد تحت كفالته ، كان كلّما دخل زكريا عليها وجد عندها طعاماً في غير الموسم ، فسألها متعجباً فقالت مريم عليها السلام : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ومن الواضح أنّ المراد بقوله يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ لا يعنى أنّ عطاء الله لا حساب له ، لأنّه تعالى يقول : وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ « 2 » ويقول أيضاً : إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ « 3 » ، وإنّما المراد أنّ رزق الله لا يمكن فهمه بواسطة الحساب والطرق المتعارفة ، وإنّما له تعالى سبل للرزق بغير الأسباب المتعارفة ، وعلى هذا فالآية دالّة على انطواء مريم عليها السلام على نحو من الولاية والتصرّف في التكوين . 2 . وصى سليمان آصف بن برخيا عليه السلام . قال تعالى : قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّى « 4 » . فالآية المباركة صريحة في أنّ سليمان عليه السلام طلب ممّن خصّهم

--> ( 1 ) آل عمران : 37 . ( 2 ) الرعد : 8 . ( 3 ) القمر : 49 . ( 4 ) النمل : 40 .