السيد كمال الحيدري

73

الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)

وبناءً على قواعد اللغة العربية ينبغي عود الضمير إلى أقرب المراجع إلّا إذا دلّت قرينة على خلاف ذلك أو وجد مانع عقلىّ يمنع من إرجاع الضمير إلى الأقرب . وفى هذا الضوء وبمقتضى هذه القاعدة اللغوية لابدّ أن يرجع الضمير في ( لا يمسّه ) إلى الكتاب المكنون . أمّا معنى المسّ فهو العلم به . وعلى هذا فتدلّ الآية على أنّ الكتاب المكنون لا يعلمه أحد إلّا المطهّرون ، أي لا يعلمه علماً حضورياً إلّا المطهّرون ، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا أنّ السبب في تعبير القرآن ( لا يمسّه ) بدلًا من التعبير ب ( لا يعلمه ) لأجل أن لا ينصرف الذهن إلى العلم المتعارف الذي ينسجم مع قوانين المفاهيم والألفاظ . وقد تقدّم الكلام في حقيقة اليقين القرآني وأنّه عملية مسّ ومشاهدة للحقائق ، كالذي يقع في النار ويحترق فيها ، فعلمه بالنار من خلال مسّه لحقيقة النار . ومن هنا لا يكون مفاد « لا » في لا يمسّه النهى عن مسّ الكتاب إلّا عن طهارة ؛ لأنّه يلزم أن تكون الطهارة منحصرة بالطهارة المادّية فقط ؛ بمعنى أنّ الإنسان غير المتطهّر مادّياً لا يجوز له مسّ القرآن ، وهذا المعنى لا يتلاءم مع إطلاق الطهارة الشاملة لجميع مراتبها المادّية والمعنوية بما فيها الطهارة القلبية . وعلى هذا يكون مفاد « لا » : النفي أي أنّها نافية ، وليست ناهية ، ومن ثمّ تكون الآية في صدد الإخبار عن هذه الحقيقة ، وهى أنّ الذي يقف ويشاهد ملكوت وباطن الأشياء بالمشاهدة القلبية هم المطهّرون فقط ، الواجدون لجميع مراتب الطهارة ، وهم أصحاب القلب السليم من التعلّق عمّا سوى الله تعالى .