السيد كمال الحيدري
159
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)
الدليل الثالث : قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ « 1 » . ومحلّ الشاهد في هذه الآية الشريفة كلمة ( مهيمناً ) ، التي تطلق على الشئ الذي يحفظ ويرتّب ويؤتمن على شئ آخر ، لذا قال الخليل الفراهيدى : الرجل يهيمن إذا كان رقيباً على الشئ وشاهداً عليه وحافظاً . وقال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ : « هيمنة الشئ على الشئ على ما يتحصّل من معناها كون الشئ ذا سلطة على الشئ في حفظه ومراقبته وأنواع التصرّف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كلّ شئ بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية : يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيّرة وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل ليناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقّى والتكامل بمرور الزمان ؛ قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وقال : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا » « 2 » . فالقرآن الكريم حافظ لجميع الشرائع السماوية السابقة ويشرف على صيانتها من الانحراف إشرافاً كاملًا ، ويكمل تلك الكتب التي تلتقى في هدف واحد على الرغم من الفوارق الموجودة بينها ، في تتبع من مقتضى التكامل التدريجي للإنسان ، حيث إنّ كلّ شريعة جديدة ترتقى بالإنسان إلى مرحلة أسمى من مراحل الرقى والكمال الإنسانى وتشتمل على خطط وبرامج أكثر شمولًا وتطوّراً . ومن هيمنته عليها الحفاظ على أصولها الثابتة
--> ( 1 ) المائدة : 48 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 5 ص 348 .