السيد كمال الحيدري
145
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)
2 . المستخلِف هو الله تعالى : اختلف المفسّرون في من هو المستخلف الذي جُعل خليفة في الأرض ، فذهب بعضهم إلى أنّه ربما كان في الأرض قوم آخرون كالجنّ أو غيرهم « 1 » ، وجاء الإنسان ليكون خليفة لهم . إلّا أنّ الصحيح هو أنّ المستخلف هو الله تعالى وذلك لعدّة قرائن . القرينة الأولى : لو كان المقصود بالخلافة في الآية المباركة هي خلافة إنسان لموجود أرضىّ قبله ، فهذا لا يتلاءم مع تساؤل الملائكة واستفهامهم كما في قول تعالى : أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا . . . وَنُقَدِّسُ لَكَ فقد تساءلت الملائكة عن سبب جعل خليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، ومن الواضح أنّ هذا التساؤل يكشف عن أنّ الملائكة قد فهموا أنّ المستخلف لهذا الخليفة هو الله تعالى وأنّ هذا الموجود الأرضي وهو الإنسان سنخ موجود يمكن أن يصدر منه الفساد وسفك الدماء ، وحيث إنّ الله تعالى منزّه عن الشرّ والفساد ونحوهما ، فيكون هذا الخليفة غير متلائم وغير منسجم مع فعل الله تعالى المنزَّه عن الشرِّ والفساد ، ومن هنا جاء سؤال الملائكة الاستفهامىّ بأنّ هذا الخليفة يفعل الفساد ويسفك الدماء ، وهو ينافي فعل الله تعالى المنزَّه عن الشرّ . وهذه القرينة تعدّ خير دليل على أنّ هذه الخلافة عن الله تعالى ، لا خلافة إنسان لمخلوق آخر . القرينة الثانية : إنّ إطلاق لفظ الخليفة في قوله تعالى : إِنِّى جَاعِلٌ فِى
--> ( 1 ) نقل هذا الوجه الفخر الرازي بقوله : « لما نفى الله سبحانه الجنّ من الأرض وخلق آدم . . . الوجه الآخر عليه » انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 165 .