السيد كمال الحيدري
94
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
بدرجة كبيرة ، بينما لا نجد في نفوسنا أيّ استغراب إذا لاحظنا وقوع الحالة الأولى . وهذا معناه أن هناك عاملًا آخر يجعل قيمة احتمال الحالة الثانية أصغر من قيم احتمالات سائر الحالات الأخرى ، وهذا العامل هو الذي يمثّل تدخّل العلم الإجمالي الثاني في تحديد قيم العلم الإجمالي الأول . فما هو هذا العامل ؟ إن هذا العامل هو الذي دعا المنطق الأرسطي إلى الاعتقاد بأنّ اجتماع عدد كبير من الصدف المتماثلة مستحيل ، فقد رأى المنطق الأرسطي نفسه يرفض إمكانية تكرّر الصدفة بصورة متماثلة في عدد كبير من التجارب ، فلا يستسيغ مثلًا أن يظهر وجه الكتابة في ألف رمية متتابعة لقطعة النقد . وهذا جعله يتصوّر أن هناك مبدأ عقلياً قبليّاً يحكم بأنّ تكرّر الصدفة بصورة متماثلة في عدد كبير من المرّات المتتابعة أمر مستحيل . والمنطق الأرسطي وإن أصاب في رفضه لافتراض ظهور وجه الكتابة مثلًا في ألف رمية متتابعة ، لكنّه أخطأ في تفسير هذا الرفض ، فإن استبعاد هذا الافتراض لا يقوم على أساس مبدأ عقليّ قبليّ كما سيأتي في الأبحاث اللاحقة ، وإنما يقوم على أساس أن حالة ظهور الكتابةفي كلّ المرّات - وبتعبير أعمّ حالة تكرّر الصدفة بنحو واحد - تواجه عاملًا خاصّاً يضعّف بحساب الاحتمالات قيمتها الاحتمالية إلى أبعد حدّ . ويمكن توضيح هذه الحالة بالبيان التالي : إنّ الحالات المتتابعة التي وقعت في كلّ واحدة منها تجربة كرَمْية قطعة النقود ، إذا قارنّا بينها واستطعنا أن نستوعب كلّ ظروفها وملابساتها فسوف نجد أنها تختلف