السيد كمال الحيدري

52

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

وهذان المفهومان عن السببية يختلفان اختلافاً أساسياً ، لأنّ المفهوم الأول يفسّر السببية بوصفها علاقة ضرورة ولزوم بين مفهومين ، فهي علاقة واحدة تربط مفهوماً بمفهوم آخر في وجوده كالعلاقة بين الحركة والحرارة ، وهذه العلاقة بين المفهومين يقوم على أساسها ارتباط كلّ فرد من أحد المفهومين بفرد من المفهوم الآخر . فهناك ارتباطات عديدة بين هذه الحرارة وهذه الحركة وتلك الحرارة وتلك الحركة ، ولكن كلّ هذه الارتباطات بين الحرارات والحركات متلازمة لأنها تنبع جميعاً من تلك العلاقة بين المفهومين أي علاقة السببية القائمة بين ماهية الحرارة وماهية الحركة . أما المفهوم التجريبي للسببية فهو لا يعترف بعلاقة السببية إلا بوصفها اطّراداً في التتابع أو الاقتران بين حادثتين دون أن يضيف إلى هذا التتابع أو الاقتران أيّ فكرة عن الإيجاد والضرورة واللزوم . ومن الواضح أن رفض فكرة الضرورة واللزوم نهائياً يؤدّي إلى أنَّ أيّ حادثة توجد عقيب حادثة أخرى فوجودها عقيبها صدفة ولا يعبّر عن أيّ لزوم . فالغليان عقيب الحرارة والحرارة عقيب الحركة صدفة ، كما أن نزول المطر عقيب صلاتك صدفة ، والفارق بين الصدفتين أن الأولى تتكرّر على سبيل الصدفة بصورة مطّردة وأن الثانية لا توجد إلا أحياناً . وما دام هذا التتابع مجرّد صدفة مطّردة دون أن يقوم على أساس علاقة ضرورة بين مفهومين ، فهو يعبّر عن علاقة بين فردين بدلًا عن مفهومين ، وبهذا يكون التتابع بين كلّ فرد من الحرارة وفرد من الحركة علاقة مستقلّة نشأت على سبيل المصادفة بين الفردين . فسببية الحركة للحرارة بالمفهوم التجريبي تعبّر عن علاقات كثيرة بعدد ما يوجد من