السيد كمال الحيدري
438
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
إن الرسالة في نصوص قرآنية كثيرة تحدّثت عن تاريخ الأنبياء وأممهم وما مرّت بهم من وقائع وأحداث وتفاصيل لم تكن بيئة النبي العربي صلى الله عليه وآله الوثنية والأمّية تعرف شيئاً عنها ، وقد تحدّى علماءَ الكتاب أي اليهود والنصارى النبي صلى الله عليه وآله أكثر من مرّة وطالبوه بالحديث عن تاريخ تراثهم الديني ، فواجه التحدّي بكلّ شجاعة ، وجاء القرآن بما طلبوا دون أن تكون هناك أيّ وسيلة اعتيادية لتفسير اطّلاع النبي شخصياً على تلك التفاصيل : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَلكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( القصص : 46 44 ) . ومما يُبهر الملاحِظ أن القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين ، حتى لو افترضنا أن أفكار هذه الكتب كانت شائعة ومنتشرة في الوسط الذي ظهر فيه النبي صلى الله عليه وآله ، لأنّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبياً فقط دون الأخذ والعطاء ، بينما دور القرآن في عرض القصّة إيجابيّ فإنه يصحّح ويعدّل ويفصّل القصة عما ألصقت بها من ملابسات لا تتّفق مع فطرة التوحيد والعقل المستنير والرؤية الدينية السليمة . * إن القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان إلى درجة جعلت منه حتى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيّته حدّاً فاصلًا بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربية وأساساً لتحوّل هائل في هذه