السيد كمال الحيدري

435

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

وقد عاش أربعين سنة قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه سوى ذلك السلوك النظيف ، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عملية أو اتجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ ( يونس : 16 ) . وكان النبي صلى الله عليه وآله قد وُلد في مكّة وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلا في سفرتين قصيرتين ، إحداهما مع عمّه أبي طالب وهو صبيّ في أوائل العقد الثاني والأخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث . ولم يتيسّر له بحكم عدم تعلّمه للقراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية لليهودية أو المسيحية ، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة ، لأنّ مكّة كانت وثنيّة في أفكارها وعاداتها ، ولم يتسرّب إليها الفكر المسيحي أو اليهودي ولم يدخل الدير إلى حياتها بشكل من الأشكال ، حتى أولئك الحنفاء الذي رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة لم يكونوا قد تأثّروا باليهودية أو المسيحية ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهودية والمسيحية على ما خلّفه قسّ بن ساعدة أو غيره من تراث أدبيّ شعريّ . ولو كان النبي صلى الله عليه وآله قد بذل أيّ جهد للاطلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك ؛ إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ومعقّدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار ودون أن