السيد كمال الحيدري

428

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

فهذا الحكم أعني حكمه بالاجتماع المدني والعدل الاجتماعي إنما هو حكم دعا إليه الاضطرار ، ولولا الاضطرار المذكور لم يقض به الإنسان أبداً ، وهذا معنى ما يقال إن الإنسان مدنيّ بالطبع وإنه يحكم بالعدل الاجتماعي ، فإن ذلك أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطراراً على ما مرّ بيانه . ولذلك كلّما قوي إنسان على آخر ضعف حكم الاجتماع التعاوني وحكم العدل الاجتماعي أثراً فلا يراعيه القوي في حقّ الضعيف ، ونحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القوية وعلى ذلك جرى التاريخ أيضاً إلى هذا اليوم الذي يُدّعَى أنه عصر الحضارة والحرية . وهو الذي يستفاد من كلام الله عزّ وجلّ كقوله سبحانه : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( الأحزاب : 72 ) ، وقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( المعارج : 19 ) ، وقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( إبراهيم : 34 ) ، وقوله تعالى : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ( العلق : 6 - 7 ) . ولو كان العدل الاجتماعي مما يقتضيه طباع الإنسان طباعاً أولياً لكان الغالب على المجتمعات في شؤونها هو العدل وحسن تشريك المساعي ومراعاة التساوي ، مع أن المشهود دائماً خلاف ذلك ، وإعمال القدرة والغلبة وتحميل القويّ مطالبه الضعيف واستذلال الغالب للمغلوب واستعباده في طريق مقاصده ومطامعه . وترتّب على هذين الأصلين حدوث الاختلاف بين أفراد الإنسان ، لأنّ قريحة الاستخدام في الإنسان إذا انضمّت إلى الاختلاف الضروريّ بين الأفراد من حيث الخلقة ومنطق الحياة والعادات والأخلاق المستندة إلى ذلك وإنتاج ذلك للاختلاف الضروريّ من حيث القوّة والضعف ، يؤدّي إلى الاختلاف والانحراف عمّا يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل