السيد كمال الحيدري
424
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
حرّيته التي هذّبها ذلك الفهم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ، أقول : إن كلّ عقيدة لا تلد للإنسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن كونها تلطيفاً للجو وتخفيفاً من الويلات ، وليست علاجاً محدّداً وقضاءً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوئه ، وإنما يُشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنويّ للحياة وإحساس خلقيّ بها ينبثق عنهما نظام يملأ الحياة بروح هذا الإحساس وجوهر ذلك الفهم . وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها ، فهو عقيدة معنوية وخلقية ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية يرسم لها شوطها الواضح المحدّد ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ويعرّفها على مكاسبها منه . وأما أن يُقضى على الفهم المعنوي للحياة ويُجرَّد الإنسان عن إحساسه الخلقي بها وتعتبر المفاهيم الخلقية أوهاماً خالصة خلقتها المصالح المادّية ، والعامل الاقتصادي هو الخلّاق لكلّ القيم والمعنويات ، وترجى بعد ذلك سعادة للإنسانية واستقرار اجتماعيّ لها ، فهذا هو الرجاء الذي لا يتحقّق إلا إذا تبدل البشر إلى أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدّة من المهندسين الفنّيين . وليست إقامة الإنسان على قاعدة ذلك الفهم المعنويّ للحياة والإحساس الخلقي بها عملًا شاقّاً وعسيراً ، فإنّ الأديان في تاريخ البشرية قد قامت بأداء رسالتها الكبيرة في هذا المضمار ، وليس لجميع ما يحفل به العالم اليوم من مفاهيم معنوية وأحاسيس خلقية ومشاعر وعواطف نبيلة تعليل أوضح وأكثر منطقية ، من تعليل ركائزها وأسسها بالجهود الجبّارة التي قامت بها الأديان لتهذيب الإنسانية ، والدافع الطبيعي في