السيد كمال الحيدري
408
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
صارم كما تسقط قطرة المطر في مسار محدّد وفقاً لقانون الجاذبية ، لأنه في حالة من هذا القبيل لا يمكن أن يكون هادفاً أي يعمل من أجل هدف يعيش في داخل نفسه . فلكي يكون الإنسان هادفاً لابدَّ أن يكون حرّاً في التصرّف ليتاح له أن يتصرّف وفقاً لما تنشأ في نفسه من أهداف . فالترابط بين المواقف العملية والأهداف هو القانون الذي ينظّم ظاهرة الاختيار لدى الإنسان ، كما أن الهدف بدوره لا يوجد بصورة عشوائية فإن كلّ إنسان يحدّد أهدافه وفقاً لما تتطلّبه مصلحته وذاته من حاجات ، وهذه الحاجات تحدّدها البيئة والظروف الموضوعية التي تحيط بالإنسان ، غير أن هذه الظروف الموضوعية لا تحرّك الإنسان مباشرة كما تحرّك العاصفة أوراق الشجر ، لأنّ هذا يعطّل دوره ككائن هادف . فلابدَّ للظروف الموضوعية إذن من تحريك الإنسان عن طريق الإثارة والإيحاء بتبنّي أهداف معيّنة ، وهذه الإثارة ترتبط بإدراك الإنسان للمصلحة في موقف عملي معيّن ، ولكن ليست كلّ مصلحة تحقّق إثارة للفرد وإنما تحقّقها تلك المصالح التي يدرك الفرد أنها مصالح له بالذات . وحين ندرس مصالح الإنسان في حياته المعيشية يمكننا تقسيمها إلى فئتين : إحداهما : مصالح الإنسان التي تقدّمها الطبيعة له بوصفه كائناً خاصّاً كالعقاقير الطبية مثلًا ، فإن من مصلحة الإنسان الظفر بها من الطبيعة ، وليست لهذه المصلحة صلة بعلاقاتها الاجتماعية مع الآخرين ، بل الإنسان بوصفه كائناً معرّضاً للجراثيم الضارّة بحاجة إلى تلك العقاقير سواء كان يعيش منفرداً أم ضمن مجتمع مترابط .