السيد كمال الحيدري

403

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

صالح فرضية الصانع الحكيم مترابطة ومشروطة ، والاحتمالات التي في صالح فرضية الضرورة العمياء مستقلّة وغير مشروطة ، فالضرب يؤدّي باستمرار إلى تضاؤل شديد في احتمال فرضية الضرورة العمياء وتصاعد مستمرّ في احتمال فرضية الصانع الحكيم . وهكذا ننتهي إلى حقيقة أساسية هي أن الأسس المنطقية التي تقوم عليها كلّ الاستدلالات العلمية المستمدّة من الملاحظة والتجربة هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم عن طريق ما يتّصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير . فإن هذا الاستدلال كأيّ استدلال علميّ آخر استقرائيٌّ بطبيعته وتطبيق للطريقة العامّة التي حددناها للدليل الاستقرائي في كلتا مرحلتيه . فالإنسان بين أمرين ، فهو إما أن يرفض الاستدلال العلمي ككلّ ، وإما أن يقبل الاستدلال العلمي ويعطي للاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي . وبهذا يتبرهن أن العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي ، ولا يمكن من وجهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما . وهذا الارتباط المنطقي بين مناهج الاستدلال العلمي والمنهج الذي يتّخذه الاستدلال على إثبات الصانع بمظاهر الحكمة ، قد يكون هو السبب الذي أدّى بالقرآن الكريم إلى التركيز على هذا الاستدلال من بين ألوان الاستدلال المتنوّعة على إثبات الصانع ، تأكيداً للطابع التجريبي والاستقرائي للدليل على إثبات الصانع . فإن القرآن الكريم بوصفه الصيغة الخاتمة لأديان السماء قد قدّر له أن يبدأ بممارسة دوره الديني مع تطلّع الإنسان نحو العلم وأن يتعامل