السيد كمال الحيدري
396
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ونلاحظ وجود غرائز كثيرة في الكائنات الحيّة المتنوّعة ، ولئن كانت الغريزة مفهوماً غيبياً لا يقبل الملاحظة والإحساس المباشر ، فما تعبّر عنه تلك الغرائز من سلوك ليس غيبياً بل يعتبر ظاهرة قابلة للملاحظة العلمية تماماً . وهذا السلوك الغريزي في آلاف الغرائز التي تعرَّف عليها الإنسان في حياته الاعتيادية أو في بحوثه العلمية يتوافق باستمرار مع تيسير الحياة وحمايتها وأنه يبلغ أحياناً إلى درجة كبيرة من التعقيد والإتقان ، وحينما نقسّم ذلك السلوك إلى وحدات نجد أن كلّ وحدة قد وضعت في الموضع المنسجم تماماً مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها . والتركيب الفسلجي للإنسان يمثّل ملايين من الظواهر الطبيعية والفسلجية ، وكلّ ظاهرة في تكوينها ودورها الفيسيولوجي وترابطها مع سائر الظواهر تتوافق باستمرار مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها . فمثلًا نأخذ مجموعة الظواهر التي ترابطت على نحو يتوافق تماماً مع مهمّة الإبصار وتيسير الإحساس بالأشياء بالصورة المفيدة . إن عدسة العين تلقي صورة على الشبكية التي تتكوّن من تسع طبقات وتحتوي الطبقة الأخيرة منها على ملايين الأعواد والمخروطات قد رتبّت جميعاً في تسلسل يتوافق مع أداء مهمّة الإبصار ، من حيث علاقات بعضها بالبعض الآخر وعلاقاتها جميعاً بالعدسة إذا استثنينا شيئاً واحداً وهو أن الصورة تنعكس عليها مقلوبة غير أنه استثناء مؤقّت ، فإن الإبصار لم يربط بهذه المرحلة لكي نحسّ بالأشياء وهي مقلوبة بل أعيد تنظيم الصورة في ملايين أخرى من خويطات الأعصاب المؤدّية إلى المخّ حتى أخذت وضعها الطبيعي ، وعند ذلك فقط تتمّ عملية عندئذ متوافقة بصورة كاملة مع تيسير الحياة .