السيد كمال الحيدري

374

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

وأما المادّية الحديثة فهي - لإيمانها بالتطوّر النوعي والكيفي للمادّة من خلال هذه الأشكال - تواجه إحراجاً في هذا الدليل ، غير أنها اختارت أسلوباً آخر في تفسير هذا التطوّر الكيفي ، توفّق فيه بين القضية الثانية المتقدّمة ورغبتها في الاكتفاء بالمادّة وحدها كتفسير لكلّ تطوّراتها . وهذا الأسلوب هو أن المادّة هي مصدر العطاء وهي التي تموّن عملية التطوّر الكيفي ، ولكن لا كما يموّن الفقير المشاريع الرأسمالية لكي يتعارض مع القضية الثانية المتقدّمة ، بل إن ذلك يتمّ على أساس أن كلّ أشكال التطوّر ومحتوياته موجودة في المادّة منذء البدء ، فالدجاجة موجودة في البيضة والغاز موجود في الماء وهكذا . أما كيف تكون المادّة في وقت واحد بيضة ودجاجة أو ماء وغازاً ؟ فتجيب المادّية الجدلية على ذلك بأنّ هذا تناقض ، والتناقض هو قانون الطبيعة العامّ ، فكلّ شيء يحتوي على نقيضه ( أي ضدّه ) في أحشائه وهو في صراع مستمرّ مع هذا النقيض ، وبهذا الصراع بين النقيضين ينمو النقيض الداخلي حتى يبرز ويحقّق تحوّلًا في المادّة ، كالبيضة تنفجر في لحظة معيّنة ويبرز فرخ الدجاجة من داخلها ، وعن هذا الطريق تتكامل المادّة باستمرار لأنّ النقيض الذي يبرز من خلال الصراع يمثّل المستقبل ، أي خطوة إلى الأمام . مناقشة الموقف ونلاحظ على ذلك ما يلي : ماذا تقصد المادّية الحديثة بالضبط من أن الشيء يحتوي على نقيضه أو ضدّه ؟ وعلى التحديد أيّ المعاني التالية هو المقصود ؟