السيد كمال الحيدري

295

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

حاجة إلى سبب خارجيّ ، بل هو ضروريّ ونابع عن النفس بصورة مستقلّة عن التجربة ، ولكن التصوّرات الخاصّة شرائط لوجوده وصدوره عن النفس ، وإذا شئت فقس النفس والمبادئ الأوّلية بالنار وإحراقها ، فكما أن إحراق النار فعالية ذاتية للنار ومع ذلك لا توجد هذه الفعالية إلا في ظلّ شروط أي في ظروف ملاقاة النار لجسم يابس ، كذلك الأحكام الأوّلية فإنها فعاليات ضرورية وذاتية للنفس في الظروف التي تكتمل عندها التصوّرات اللازمة . وإذا أردنا أن نتكلم على مستوى أعمق قلنا : إن المعارف الأوّلية وإن كانت تحصل للإنسان بالتدريج إلا أن هذا التدريج ليس معناه أنها حصلت بسبب التجارب الخارجية ، لأننا برهنّا على أن التجارب الخارجية لا يمكن أن تكون المصدر الأساسي للمعرفة ، بل التدرج إنما هو باعتبار الحركة الجوهرية والتطوّر في النفس الإنسانية ، فهذا التطوّر والتكامل الجوهري هو الذي يجعلها تزداد كمالًا ووعياً للمعلومات الأوّلية والمبادئ الأساسية فينفتح ما كمن فيها من طاقات وقوى . وهذا معنى قول صدر المتألهين في « الأسفار » : « أو لم يُعلم أن التفاوت في الفطريات كثيراً ما يكون بحسب التفاوت في طرفي الحكم ، والحكم في نفسه مما لا يتفاوت ، على أن الحكم الفطري والحدسي كالاقتناصي مما يجوز فيه التفاوت بالقياس إلى الأذهان والأزمنة وخصوصيات المفهومات والعقود لتفاوت النفوس في استعداداتها الأوّلية غريزية واستعداداتها الثانوية كسبية » « 1 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، ج 1 ، ص 208 ، المباحث المشرقية ، ج 1 ، ص 128 .