السيد كمال الحيدري

266

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

ولكننا نتساءل مرّة أخرى كيف عرفنا هذه العلاقة بين اقتحام النار والاحتراق ؟ هنا يؤكّد هيوم أن علاقة العلّية لا تنشأ عن التفكير العقلي الخالص ، ولا يمكن استنباط مبدأ العلّية من مبدأ عدم التناقض ، إذ لا تناقض في تصوّر بداية شيء دون ردّه إلى علّة . ويواصل هيوم تأكيده أن علاقة العلّية في أية حالة من حالاتها لا يوجد لدينا علم قبليّ مستقلّ عن الخبرة الحسّية بها ، وإنما نعلم بها على أساس الخبرة والتجربة ، فلو لم تكن العلّة قد مرّت في خبرتنا مقترنة بالمعلول ورأيناها لأول مرّة فلا يمكننا أن ندرك عقلياً أنها علّة لذلك المعلول الخاصّ . إلا أن هيوم مع تأكيده أن علاقات العلّية لا يمكن استنتاجها عقلياً أكّد في الوقت نفسه عدم إمكان الاستدلال عليها بالتجربة وعجز الخبرة الحسّية عن إثباتها ، لأنّ كلّ معلوماتنا عن العالم الخارجي التي نستمدّها من التجربة والخبرة الحسّية تنشأ من الانطباعات التي نتلقّاها من العالم الخارجيّ ، وإذا فحصنا انطباعاتنا عن العالم الخارجي لا نجد فيها انطباعاً عن العلّية بالمعنى الذي يشتمل على الضرورة وحتمية الارتباط بين الحادثتين ، لأننا مهما تلفتّنا حولنا متّجهين بأنظارنا إلى الأشياء الخارجية باحثين فيما نسمّيه من تلك الأشياء أسباباً ، لا نجد في أية حالة من الحالات ما يكشف لنا عن رابطة ضرورية بين السبب ومسبّبه . إننا لن نجد أبداً صفة تنطبع بها حواسّنا وتكون هي الصفة التي تربط المعلول بعلّته ربطاً يجعل ذلك المعلول نتيجة محتومة لعلّته . إن كلّ ما نراه في العالم الخارجي هو أن النتيجة تتبع سبباً فعلًا ، فنرى مثلًا أن كرة البليارد المتحرّكة إذا ما صدمت كرة أخرى كانت ساكنة ، فإن هذه الثانية تتحرّك كذلك . إن الذي ينطبع على حواسّنا الظاهرة هو كرة أولى تتحرّك وكرة