السيد كمال الحيدري

264

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

يثبتها الاستقراء عادة . فالشرط الأساسي لإنتاج الدليل الاستقرائي أن يكون قادراً على إثبات السببية بالمفهوم العقلي ، وما لم نثبت السببية العقلية يعجز الدليل الاستقرائي عن إثبات أيّ تعميم بل يعجز حتى عن ترجيحه بأي درجة من درجات الترجيح . لذا قلنا سابقاً إن المرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي رغم عدم احتياجها إلى أيّ ثبوت مسبق لمصادرات أخرى إضافة إلى مصادرات نظرية الاحتمال ، تتوقف على افتراض عدم وجود مبرّر قبليّ لرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي أي للاعتقاد بعدمها ، وهذا لا يكلّف الدليل الاستقرائي إثباتاً مسبقاً ؛ لأنّ الرفض هو الذي يحتاج إلى إثبات وأما عدم الرفض القبلي فيكفي له عدم وجود مبرّر للرفض . وعلى هذا الأساس ذكرنا أن من يرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي رفضاً كاملًا لا يمكنه أبداً أن يفسّر الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية ويبرّر نموّ الاحتمال بالقضية الاستقرائية ، وعن هذا الطريق يمكننا أن نبرهن لكلّ من يعترف بقيمة حقيقية للدليل الاستقرائي في تنمية الاحتمال على أنه مضطرّ إلى التنازل عن المبرّرات القبلية لرفض علاقات السببية ونفيها . وهذا معناه أن من يبدأ من احتمال استحالة الصدفة المطلقة يمكنه أن يثبت بدرجة كبيرة من الإثبات هذه الاستحالة بالدليل الاستقرائي نفسه ، خلافاً لمن يبدأ من الاعتقاد بأنّ كلّ ما يوجد فهو صدفة ويرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي فإنه لا يمكنه أن ينمّي احتمال القانون السببي بالدليل الاستقرائي .