السيد كمال الحيدري
242
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
وبطبيعة الحال : إن التفكير البشري لو لم يكن يملك عدة معارف مضمونة الصحّة بصورة ضرورية لكان هذا الشكّ لازماً ولا مهرب عنه ولما أمكننا أن نعلم بحقيقة مهما كانت ما دام هذا العلم لا يستند إلى ضمان ضروريّ ، وكان الخطأ محتملًا في كلّ مجال . ولكن الذي يقضي على هذا الشكّ هو المذهب العقلي الذي يقرّر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحّة لا يقع فيها الخطأ مطلقاً ، وإنما يقع أحياناً في طريقة الاستنتاج منها . وعلى هذا تنقسم المعارف البشرية كما سبق إلى معارف ضرورية مضمونة تتشكّل منها القاعدة الرئيسية للتفكير ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة وهي التي قد يقع فيها الخطأ . فنحن إذن مهما شككنا لا نستطيع أن نشكّ في تلك القاعدة لأنها مضمونة الصدق بصورة ضرورية . ونريد أن نتبين الآن ما إذا كان في وسع الفيلسوف المثالي باركلي أن ينكر تلك القاعدة المضمونة ولا يقرّ بوجود معارف ضرورية فوق الخطأ والاشتباه أم لا ؟ ولا شكّ أن الجواب هو النفي ، فإنه مضطرّ إلى الاعتراف بوجود معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الاستدلال على مثاليّته بالأدلّة السابقة ، فإن الإنسان لا يمكنه أن يستدلّ على شيء ما لم يركّز استدلاله على أصول وقواعد مضمونة الصدق عنده ، ونحن إذا لاحظنا أدلّة باركلي وجدناه مضطرّاً للاعتراف ب : * مبدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الأول ، فإن التناقض إذا كان ممكناً فلا يصحّ أن يستنتج من تناقض الإحساسات عدم موضوعيّتها . * مبدأ العلّية والضرورة ؛ فهو لو لم يكن يعترف بهذا المبدأ لكان