السيد كمال الحيدري

241

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

للعلم لا يتخلّف عنه حتى في موارد الخطأ والاشتباه ، فإنّ علم القدماء بأنّ الشمس تدور حول الأرض كان له من الكشف الذاتي بمقدار ما لعلمنا بدوران الأرض حول الشمس من كشف ، بمعنى أنهم كانوا يرون دوران الشمس حول الأرض أمراً ثابتاً في الواقع بصورة مستقلّة عنهم ، فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئيّاً لهم أي أنهم كانوا يصدّقون بذلك وإن لم يكن ثابتاً في الواقع . فالإنسان بطبيعته إذن يخرج من التصوّرية إلى الموضوعية بالعلم التصديقي ؛ لمكان كشفه الذاتي سواء أكان العلم مصيباً في الواقع أم مخطئاً ، فإنّه علم وكشف على كلّ تقدير . الدليل الرابع : إن المعارف التصديقية إذا كانت قد تخطئ ولم يكن كشفها الذاتي يصونها عن ذلك ، فلماذا لا يجوز أن تكون جميع معارفنا التصديقية خطأ ؟ وكيف يمكننا أن نعتمد على الكشف الذاتي للعلم ما دام هذا الكشف صفة لازمة للعلم في موارد الخطأ والصواب على حدّ سواء ؟ المناقشة : وهذه المحاولة تختلف في هدفها عن المحاولة السابقة ، ففي تلك المحاولة كانت المثالية تستهدف اعتبار المعارف البشرية أشياء ذاتية لا تشقّ لنا الطريق إلى الواقع الموضوعي ، وقد أحبطنا تلك المحاولة بإيضاح ما للمعارف التصديقية من كشف ذاتيّ تمتاز به على التصوّر الخالص . وأما هذه المحاولة فهي تقصد إزالة المعارف التصديقية نهائياً من التفكير البشري لأنها ما دامت قد تخطئ أو ما دام كشفها الذاتي لا يعني صحّتها دائماً ، فلماذا لا نشكّ ونتخلّى عنها جميعاً ، ولا يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العالم الموضوعي .