السيد كمال الحيدري

239

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

والقائم ) فتجزئ وتخزنهما عندها . ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج أخذت زيداً والقائم المخزونين عندها وهما اثنان ثم جعلتها واحداً ، وهذا هو الحكم الذي ذكرنا أنه فعل أي جعل وإيجاد منهما تحكي به الخارج . فالحكم فعل من النفس وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها ، ولو كان تصوّراً مأخوذاً من الخارج لم تكن القضية مفيدة ؛ لصحّة السكوت ، كما في أحد جزئي الشرطية ، ولو كان تصوّراً أنشأته النفس من عندها من غير استعانة واستمداد من الخارج لم يحكِ الخارج » « 1 » . وبهذا يتّضح أن المعرفة التصديقية هي وحدها التي يمكن أن تردّ على حجّة باركلي القائلة أنا لا نتّصل بالواقع مباشرة وإنما نتّصل بأفكارنا ؛ فلا وجود إلا لأفكارنا . فالنفس وإن كانت لا تتّصل مباشرة إلا بإدراكاتها إلا أن هناك لوناً من الإدراك يكشف بطبيعته كشفاً ذاتياً عن شيء خارج حدود الإدراك وهو الحكم أي المعرفة التصديقية . فحجّة باركلي كانت تقوم على الخلط بين التصوّر والتصديق وعدم إدراك الفوارق الأساسية بينهما . وفي هذا الضوء يتبيّن أن المذهب التجريبي والنظرية الحسّية يؤدّيان إلى النزعة المثالية ، فهما مضطرّان إلى قبول الحجّة التي قدّمها باركلي ، لأنّ النفس البشرية بمقتضى هذين المبدأين لا تملك إدراكاً ضروريّاً أو فطريّاً مطلقاً ، وإنما تنشأ إدراكاتها جميعاً من الحسّ وترتكز معارفها عليه ، والحس ليس إلا لوناً من ألوان التصوّر ، فمهما كثر وتنوّع لا يعدو

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، ص 251 .