السيد كمال الحيدري

238

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

يكون نقطة الانطلاق لنا من التصوّرية إلى الموضوعية ، فكيف يتمّ ذلك ؟ إن المعرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من الحقائق وراء التصوّر كما في قولنا : إن الخطّ المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين ، فإن معنى هذا الحكم هو جزمنا بحقيقة وراء تصوّراتنا للخطوط المستقيمة والنقاط والمسافات ، ولذلك يختلف كلّ الاختلاف عن ألوان التصوّر الساذج فهو : أولًا : ليس صورة لمعنىً معيّن من المعاني التي يمكن أن نحسّها ونتصوّرها بل فعلًا نفسياً يربط بين الصور ، ولهذا لا يمكن أن يكون وارداً إلى الذهن عن طريق الإحساس ، وإنما هو من الفعاليات الباطنية للنفس المدركة . ثانياً : يملك خاصّة ذاتية لم تكن موجودة في شيء من ألوان التصوّر وأقسامه وهي خاصّة الكشف عن واقع وراء حدود الإدراك ، ولذلك كان من الممكن أن تتصوّر شيئاً وأن تحسّ به ولا تؤمن بوجوده في واقع الإدراك والشعور ، لكن ليس من المعقول أن تكون لديك معرفة تصديقية أي أن تصدّق بأنّ الخطّ المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين وتشكّ مع ذلك في وجود حقيقة موضوعية يحكي عنها إدراكك وشعورك . لذا قال المحققون من الفلاسفة : إن التصديق هو تصوّر معه حكم ، وإن الحكم هو فعل من أفعال النفس غير داخل تحت العلم التصوّري الانفعالي ، وإن هذا الفعل النفساني ظرفه الإدراك ، وحقيقته « أن النفس تنال من طريق الحسّ أمراً واحداً هو زيدٌ القائم مثلًا ثم تنال عمراً قائماً وتنال زيداً غير قائم ، فتستعدّ بذلك لتجزئة زيدٍ القائم إلى مفهومي ( زيد