السيد كمال الحيدري
237
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
فالإحساس والتخيّل والتعقّل ألوان من التصوّر وأنحاء لوجود صور الأشياء في المدراك البشرية . فنحن نتصوّر التفاحة على الشجرة بالإحساس بها عن طريق الرؤية ، ومعنى إحساسنا بها وجود صورتها في حواسّنا ، ونحتفظ بعد ذلك بهذه الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة في ذهننا ، وهذا الوجود هو التخيّل ، ويمكننا بعد ذلك أن نسقط من الصورة الخصائص التي تمتاز بها عن التفاحات الأخرى ، ونستبقي المعنى العامّ منها أي معنى التفاحة بصفة كلية ، وهذه الصورة الكلّية هي التعقّل . فهذه مراحل ثلاث من التصوّر يجتازها الإدراك البشري ، وهو لا يعبّر في كلّ مرحلة إلا عن وجود صورة في بعض مداركنا . فالتصوّر بصفة عامّة لا يعدو أن يكون وجوداً لصورة شيء ما في مداركنا سواء كان تصوّراً واضحاً جليّاً كالإحساس أم باهتاً وضئيلًا كالتخيّل والتعقل ، وهو لذلك لا يمكن أن يشقّ لنا الطريق إلى ما وراء هذه الصورة التي نتصوّرها في مداركنا ، ولا يكفي للانتقال من المجال الذاتي إلى المجال الموضوعي ، لأنّ وجود صورة للمعنى في مداركنا شيء ووجود ذلك المعنى بصورة موضوعية ومستقلّة عنّا في الخارج شيء آخر ، ولذا قد يجعلنا الإحساس نتصوّر أموراً عديدة لا نؤمن بأنّ لها واقعاً موضوعياً مستقلًّا ، فنحن نتصوّر العصا المغموسة في الماء وهي مكسورة ، ولكننا نعلم بأنّ العصا لم تنكسر في الماء حقّاً وإنما نحسّها كذلك بسبب انكسار الأشعة الضوئية في الماء ، ونتصوّر الماء الدافئ حارّاً جداً حين نضع يدنا فيه وهي شديدة البرودة مع يقيننا بأنّ الحرارة التي أحسسنا بها ليس لها واقع موضوعيّ . وأما التصديق أي القسم الآخر من الإدراك البشري فهو الذي يصحّ أن