السيد كمال الحيدري
233
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
تغمس إحداهما في ماء ساخن والأخرى في ماء بارد ، أفلا يبدو الماء بارداً لليد الساخنة وساخناً لليد الباردة ؟ فهل يجب إذن أن نقول عن الماء إنه ساخن وبارد في الوقت نفسه ؟ أوليس هذا هو الكلام الفارغ بعينه ؟ إذن فلتستنتج معي أن الماء في ذاته لا يوجد كمادّة مستقلّة عن وجودنا فهو ليس سوى اسم نطلقه نحن على إحساسنا ؛ فالماء يوجد فينا نحن . وفي كلمة واحدة : المادّة هي الفكرة التي نصنعها عن المادّة ، وإذا كانت الإحساسات فارغة عن كلّ حقيقة موضوعية للتناقضات الملحوظة فيها لم تبق للمعرفة البشرية قيمة موضوعية مطلقاً لأنها ترتكز بصورة عامّة على الحسّ ، وإذا انهارت القاعدة انهار الهرم كلّه . مناقشة الدليل الأول : هذا الدليل لا قيمة له للأسباب الآتية : أولًا : إن المعارف البشرية لا ترتكز كلّها على الحسّ والتجربة ، لأنّ المذهب العقلي الذي درسناه في البحوث السابقة يقرّر وجود معارف أوّلية ضرورية للعقل البشري ، وهذه المعارف الضرورية لم تنشأ من الحسّ ولا يبدو فيها شيء من التناقضات مطلقاً ، فلا يمكن اقتلاع هذه المعارف بالعاصفة التي تثار على الحسّ والإدراكات الحسّية ، وما دمنا نملك معارف في منجاة عن العاصفة فمن الميسور أن نقيم على أساسها معرفة موضوعية صحيحة . ثانياً : إن هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لمثالية باركلي أي مع النظرية الحسّية والمذهب التجريبي ، ذلك أن باركلي يعتبر مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ويستبعد من بداية الأمر إمكان التناقض في الواقع الموضوعي . وترتيباً على ذلك يستنتج من تناقض الإدراكات والتجارب الحسّية خلوّها عن الواقع الموضوعي ، وغاب عنه أن مبدأ عدم التناقض