السيد كمال الحيدري
231
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ولأجل أن يتّضح دور المثالية في نظرية المعرفة الإنسانية ، نحاول الوقوف عند الاتجاه الذي مثّله جورج باركلي الفيلسوف الإنكليزي المتوفى سنة 1753 م الذي تعتبر فلسفته نقطة الانطلاق للاتجاه المثالي أو النزعة التصوّرية في قرون الفلسفة الأخيرة . وجوهر المثالية في مذهب باركلي يتلخّص في عبارته المشهورة ( أن يوجد هو أن يُدرِك أو أن يُدرَك ) فلا يمكن أن يقرّ بالوجود لشيء ما لم يكن ذلك الشيء مُدرِكاً أو مُدرَكاً ، والشيء المدرِك هو النفس والأشياء المدرَكة هي التصوّرات والمعاني القائمة في مجال الحسّ والإدراك . فمن الضروريّ أن نؤمن بوجود النفس ووجود هذه المعاني ، وأما الأشياء المستقلّة عن حيّز الإدراك أي الحقائق الموضوعية فليست موجودة لأنها ليست مُدرَكة . ويتناول باركلي في بحثه بعد ذلك الأجسام التي يسمّيها الفلاسفة بالجواهر المادّية ليخفيها عن مسرح الوجود قائلًا : إننا لا ندرك من المادّة التي يفترضونها إلا مجموعة من التصوّرات الذهنية والظواهر الحسيّة كاللون والطعم والشكل والرائحة وما إليها من صفات . ويعقّب باركلي على مفهومه المثالي عن العالم مؤكّداً أنه ليس سوفسطائياً ولا شاكّاً في وجود العالم وما فيه من حقائق وكائنات ، بل هو يعترف بوجود ذلك كلّه من ناحية فلسفية ولا يختلف من هذه الناحية عن سائر الفلاسفة ، وإنما يتفاوت عنهم في تحديد مفهوم الوجود . فالوجود عند باركلي ليس بمعناه عند الآخرين ، فما هو موجود في رأيهم يؤمن باركلي بوجوده أيضاً ولكن على طريقته الخاصّة في تفسير الوجود التي تعني أن وجود الشيء عبارة عن وجوده في إدراكنا أي إدراكنا له .