السيد كمال الحيدري
190
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
المنطق الأرسطي وهو أن يكون ثبوت المحمول للموضوع فيها ضروريّاً . فلا يكفي لكي يكون العلم عقلياً قبلياً أن ندرك أن « أ » ثابتة ل « ب » بل لابدَّ أن ندرك ضرورة ثبوته له ، وهذه الضرورة إما ذاتية تفرضها طبيعة الموضوع وإما ناشئة عن سبب أدّى إلى ثبوت المحمول للموضوع . فإن كانت ذاتية فالقضية أوّلية والعلم بها علم قبليّ من القسم الأول . وإن كانت ناشئة عن سبب فالقضية ثانوية مستنبطة والعلم بها علم قبليّ من القسم الثاني ، والعقل يدركها نتيجة لإدراك ذلك السبب الذي نشأت عنه ضرورة ثبوت المحمول للموضوع ، ويسمَّى ذلك السبب في لغة المنطق الأرسطي بالحدّ الأوسط . وفي هذا الضوء نأخذ العلم الإجمالي بأنّ الصداع يزول صدفة في مرّة واحدة على الأقلّ خلال عشر تجارب ، لندرس مدى إمكان قبوله علماً عقلياً قبلياً كما يدّعي المنطق الأرسطي ، إذا افترضناه علماً إجمالياً يقوم على أساس الاشتباه . إن هذا العلم الإجمالي إذا كان يقوم على أساس الاشتباه فهو مرتبط كما عرفنا سابقاً بصدفة محدّدة في الواقع . ومردّ العلم عندئذ إلى العلم بعدم وقوع تلك الصدفة . غير أن عجزنا عن تحديدها جعل علمنا غير محدّد ، أي جعله علماً إجمالياً بعدم وقوع صدفة واحدة على الأقلّ خلال عشر تجارب مثلًا . ويمكننا عندئذ أن نبرهن للمنطق الأرسطي بأنّ هذا العلم ليس عقلياً قبلياً ، لأننا نتساءل هل يعني هذا العلم عدم وقوع تلك الصدفة الخاصّة أو ضرورة عدم وقوعها ؟ فإن كان يعني عدم الوقوع فحسب فليس علماً عقلياً قبلياً ؛ لما تقدّم من أن العلوم العقلية القبلية في رأي المنطق