السيد كمال الحيدري

179

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

كان معرفة ثانوية مستنتجة من مقدّمات سابقة لما كانت التجربة مصدراً رئيساً للمعرفة ولما كانت القضية التجريبية من فئات القضايا الأولية . فالمنطق الأرسطي بحكم اعتباره للقضية التجريبية أوّلية وبحكم إيمانه بأنّ كلّ تجربة يجب أن يدخل فيها ذلك المبدأ العقلي الذي ينفي تكرّر الصدفة النسبية ، لابدَّ أن يكون مؤمناً بأنّ هذا المبدأ يمثّل معرفة عقلية أولية ، ومن أجل ذلك لا يجد حاجة إلى الاستدلال عليه ، كما لا يستدلّ على أيّ معرفة عقلية أولية . فكما لا حاجة في الإيمان بمبدأ عدم التناقض إلى دليل ، كذلك الأمر في مبدأ عدم تكرّر الصدفة النسبية ، لأنّ المعارف الأوّلية تشكّل بدايات المعرفة العقلية القبلية ، فلا يمكن أن يستدلّ عليها بمقدّمات سابقة عليها . وما دمنا قد حصلنا على تصوّر محدّد لمفهوم المنطق الأرسطي عن المبدأ الذي ينفي تكرّر الصدفة النسبية ، وعرفنا أنه يعتبره من القضايا العقلية الأوّلية كمبدأ عدم التناقض ، فقد يكون بالإمكان التأكّد من خطأ المنطق الأرسطي في اعتقاده هذا بمجرد تصوّره تصوّراً دقيقاً ، لأنّ المبدأ الذي يقدّمه لنا المنطق الأرسطي بوصفه مبدأ أوّلياً ، هل ينفي تكرّر الصدفة النسبية على مستوى الوقوع فحسب ، أي ينفي وقوع هذا التكرار أم ينفي الإمكان ويقرّر استحالة تكرّر الصدفة النسبية ؟ فإن كان المبدأ الأرسطي يقرّر استحالة تكرّر الصدفة النسبية كما يقرّر مبدأ عدم التناقض واستحالة التناقض ، يمكننا أن ندرك بسهولة أن هذا المبدأ غير موجود في عقولنا ، لأنا جميعاً نميّز بين مبدأ عدم التناقض ومبدأ عدم تكرّر الصدفة النسبية ، فإن عالمنا الواقعي الذي نعيش فيه وإن لم يوجد فيه تناقض ولا تكرّر مستمرّ في الصدفة