السيد كمال الحيدري
140
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
مثلًا الحكم الجزمي بشأن « زيد قائم » يتيسّر حينما يكون الحكم بالنحو الذي يدفع احتمال عدم القيام ، ولا يتيسّر منع هذا الاحتمال بدون الاستعانة بقانون امتناع التناقض . نعم عبر الاستعانة بقانون عدم التناقض يحصل العلم بقيام زيد حتماً وعدم وجود ما يخالف ذلك . وإذا جرّدنا الفكر البشري من هذا القانون فسوف يستحيل على الذهن أن يصل إلى الجزم والعلم اليقيني ، إذن فحاجة كلّ العلوم البديهية والنظرية إلى قانون امتناع التناقض هي حاجة الحكم لكي يكون جزمياً . البيان الثاني : إذا لم يكن قانون امتناع التناقض موجوداً في الفكر البشري فهذا معناه أنّ أيّ علم لا يمنع وجود علم آخر . توضيح ذلك : أن بعض العلوم ( الإدراكات الجزمية ) لا تمنع وجود علوم أخرى ، نظير العلم بأنّ هذه الورقة بيضاء والعلم بأنّ زيداً قائم ، لكن بعض العلوم تمنع وجود علوم أخرى بل تمنع وجود بعض الاحتمالات أيضاً ، مثل العلم بأنّ زيداً قائم ، فهذا العلم يمنع وجود العلم بأنّ زيداً ليس بقائم . وهذا التمانع إنما يحصل جرّاء تدخّل قانون امتناع التناقض ، وإذا جرّدنا الفكر البشري عن هذا القانون فسوف لا يمنع أيّ علم عن حصول أيّ علم آخر ، فلا يكون هناك أيّ مانع من أن يتوفّر الفرد على العلم الجزمي بأنّ زيداً قائمٌ وفي الوقت ذاته يجزم بأنّ زيداً ليس بقائم أو يحتمل على الأقلّ أن زيداً ليس بقائم . في ضوء البيان الأوّل يتهدّم أساس الجزم واليقين إذا جرّدنا الفكر البشري من قانون امتناع التناقض وسوف يغطّ الذهن في وحل الشكّ ويفقد أيّ تصديق جزميّ بأيّ موضوع من المواضيع وإن أقيم عليه ألف برهان . أما في ضوء البيان الثاني فسوف لا يمنع أيُّ جزم أيَّ جزم آخر ،