السيد كمال الحيدري

105

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

الاتجاه الثاني : النزعة السيكولوجية ويمكن أن نطلق على هذا الاتجاه في صفوف التجريبيين اسم الاتجاه السيكولوجي في تفسير الدليل الاستقرائي ، وقد يكون الرائد الأول لهذا الاتجاه دافيد هيوم الذي يعتبر من طليعة الفلاسفة الذين بشّروا بالمذهب التجريبي وكرّسوا كلّ جهودهم الفلسفية لتثبيته والدفاع عنه . وجاءت بعد ردح من الزمن السلوكية الحديثة التي تمثّل إحدى المدارس الكبيرة في علم النفس الحديث لكي تواصل اتجاه دافيد هيوم نحو التفسير السيكولوجي للدليل الاستقرائي ، بعد أن أدخلت تطويراً مهمّاً على هذا الاتجاه إذ نقلته من الصعيد الفلسفي إلى الصعيد العلمي . وهذا الاتجاه يجرّد الاستدلال الاستقرائي من أيّ قيمة موضوعية ويربط الاعتقاد الاستقرائي بالعادة . وببيان آخر : إن هذا الاتجاه وإن كان يؤمن أن الدليل الاستقرائي يؤدّي إلى العلم بالتعميم خلافاً للاتجاه السابق الذي أنكر ذلك ، إلا أنه لا يرى أنه يقين قائم على أسس موضوعية . وعلى هذا فسّر الدليل الاستقرائي والطفرة التي يستبطنها من الخاصّ إلى العام تفسيراً ذاتياً يقوم على أساس العادة والنزعة النفسية بدلًا عن أن يقوم على أساس قوانين الواقع الموضوعي . ويعود السبب في ذلك أن هذا الاتجاه يعتقد أن جميع الاستدلالات الخاصّة بأمور الواقع مبتنية على علاقة العلّة والمعلول ، وهذه العلاقة هي العلاقة الوحيدة التي يمكن أن تتعدى الحواسّ وتنبئنا بموجودات وأشياء لا نراها ولا نشعر بها . فإذا سألت شخصاً عن السبب في اعتقاده بأمر من أمور الواقع غائب عنه ، فسوف يبادر إلى تبرير اعتقاده بذلك عن طريق علمه بواقعة أخرى ترتبط بذلك الشيء بعلاقة العلّة والمعلول ،