السيد كمال الحيدري

98

اللباب في تفسير الكتاب

ويؤول إليه الشئ بأىّ نحو اتّفق ، بل هو نحوٌ خاصّ من الرجوع ، ألا ترى أنّ المرؤوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويل له ، والعدد يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له ، فلا محالة هو مرجع بنحو خاصّ لا مطلقاً . توضيح ذلك : إنّ تأويل الآية أمرٌ خارجىّ نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثّل إلى المَثَل ، فهو وإن لم يكن مدلولًا للآية بما لها من الدلالة ، لكنّه محكىّ لها محفوظ فيها نوعاً من الحكاية والحفظ ، بمعنى أنّ الحقيقة الخارجيّة التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهيّة أو وقوع حادثة هي مضمون قصّة من القصص القرآنيّة ، وإن لم يكن أمراً يدلّ عليها بالمطابقة نفس الأمر والنهى أو البيان أو الواقعة الكذائيّة ، إلّا أنّ الحكم أو البيان أو الحادثة لمّا كان كلّ منها ينشأ منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة ، كما أنّ قول السيّد لخادمه : « اسقني » ينشأ عن اقتضاء الطبيعة الإنسانيّة لكمالها ، فإنّ هذه الحقيقة الخارجيّة هي التي تقتضى حفظ الوجود والبقاء ، وهو أي حفظ الوجود والبقاء يقتضى بدل ما يتحلّل من البدن ، وهو يقتضى الغذاء اللازم ، وهو يقتضى الرىّ ، وهو يقتضى الأمر بالسقي مثلًا ، فتأويل قوله : « اسقني » هو ما عليه الطبيعة الخارجيّة الإنسانيّة من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه ، ولو تبدّلت هذه الحقيقة الخارجيّة إلى شئ آخر يباين الأوّل مثلًا لتبدّل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر . وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل ، أو ينكر فيجتنب في أىٍّ من المجتمعات الإنسانيّة على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنّما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم ، وهو يستند إلى مجموعة متّحدة متّفقة من علل زمانيّة ومكانيّة وسوابق وعادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممّن سبقه ، وتكرّر المشاهدة ممّن شاهده من أهل منطقته ، فهذه العلّة المؤتلفة