السيد كمال الحيدري
92
اللباب في تفسير الكتاب
والجواب عن ذلك : إنّ المعارف التي يلقيها القرآن على قسمين : منها : معارف عالية خارجة عن حكم الحسّ والمادّة ، والأفهام العاديّة لا تلبث دون أن تتردّد فيها بين المصداق الجسماني الحسّى وبين غيره ، كقوله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) الفجر ، 14 وقوله : ( وَجَاءَ رَبُّكَ الفجر ، 22 فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الأحكام ، معانٍ هي من أوصاف الأجسام وخواصّها ، وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفى حكم المادّة والجسم عن المورد . وهذا ممّا يطّرد في جميع المعارف والأبحاث غير المادّية والغائبة عن الحواسّ ، ولا يختصّ بالقرآن الكريم ، بل يوجد في غيره من الكتب السماويّة بما تشتمل عليه من المعارف العالية من غير تحريف ، ويوجد أيضاً في المباحث الإلهيّة . وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر في قوله تعالى : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) الرعد ، 17 ، حيث بيّنت أنّ حكم المثل جارٍ في أفعاله تعالى كما هو جارٍ في أقواله ، ففعله تعالى كقول الحقّ إنّما قصد منهما الحقّ الذي يحويانه ويصاحب كلًّا منهما أمور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربوهما ، لكنّها ستزول وتبطل ويبقى الحقّ الذي ينفع الناس ، وإنّما يزول ويزهق بحقّ آخر مثله ، وهذا كالآية المتشابهة تتضمّن من المعنى حقّاً مقصوداً ، يصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنىً آخر باطل غير مقصود ، لكنّه سيزول بحقّ آخر يظهر الحقّ الأوّل على الباطل الذي كان يعلوه ، ليحقّ الحقّ بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون . ومنها : ما يتعلّق بالنواميس الاجتماعيّة والأحكام الفرعيّة ، واشتمال هذا