السيد كمال الحيدري

85

اللباب في تفسير الكتاب

من الحقائق الأساسيّة التي لابدّ أن يتوفّر عليها المفسّر : الوقوف على أنّ الآيات القرآنيّة تنقسم إلى محكمات ومتشابهات ؛ قال تعالى : ( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ( آل عمران : 7 ) . لكن قبل بيان المراد من ذلك ، لا بأس بالإشارة إلى مقدّمة حاصلها : نزول القرآن بين التنزيل والإنزال تكرّر في النصوص القرآنيّة أنّه تارةً يعبّر عن نزوله بأنّه على نحو التنزيل ؛ قال تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ ) ( الشعراء : 194 193 ) ، وقال : ( ونزلنه ونزلنه ) ( الإسراء : 106 ) ، وقال : ( لَوْ لَا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ ) ( الزخرف : 31 ) ، وأخرى على نحو الإنزال كما في قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي انزل فيه القرءان ) ( البقرة : 185 ) ، وقوله : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ( الدخان : 3 ) ، وقوله : ( انا انزلنه في ليله القدر ) ( القدر : 1 ) . وقد قيل في الفرق بينهما أنّ الإنزال دفعىّ والتنزيل تدريجىّ ، وليس المراد بالتدريج في النزول هنا هو تخلّل زمان بين نزول كلّ جزء من أجزاء الشئ وبين جزئه الآخر ، حتّى ينطبق على نزول القرآن مفرّقاً كما في قوله تعالى : ( وقرءانا فرقنه لتقراه على الناس على المكث ) ( الإسراء : 106 ) ، بل المراد أنّ الأشياء المركّبة التي لها أجزاء متعدّدة ، تارةً ينظر إليها باعتبار نسبتها إلى مجموع الأجزاء بما هي أجزاء مكوّنة لهذا المركّب ، وأخرى ينظر إليها باعتبار نسبتها إلى كلّ جزء جزء سواء تخلّل بين كلّ جزء وجزء آخر زمان أو لم يتخلّل . فبالاعتبار الأوّل يكون الشئ كأنّه أمرٌ واحد لا يقبل الانقسام ، وهذا هو المقصود بالوجود الدفعي ، أمّا بالاعتبار الثاني فإنّه يكون قابلًا للانقسام إلى