السيد كمال الحيدري
392
اللباب في تفسير الكتاب
وطريق آخر وراءه ، ثمّ قال تعالى : ( فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ( البقرة : 186 ) ، وقال : ( ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ( غافر : 60 ) حيث أثبتت الآيتان أنّ الطريق الأقرب للوصول إليه هو طريق عبادته ودعائه ، وأنّ الذين يستكبرون عن ذلك سبيلهم بعيدة ، لذا وصفهم في قوله : ( أُولئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) ( السجدة : 44 ) . إذن فالسبيل إلى الله سبيلان : سبيل قريب ، وهو سبيل المؤمنين ، وسبيلٌ بعيد ، وهو سبيل غيرهم . فهذا نحو اختلاف في السبيل . وهناك نحو آخر من الاختلاف ؛ قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) ( الأعراف : 40 ) ، ولولا طروق من متطرّق لم يكن للباب معنىً ، فهناك طريق من السفل إلى العلوّ ؛ لقوله : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) ( فاطر : 10 ) ، ثمّ قال : ( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى ) ( طه : 81 ) والهوىّ هو السقوط إلى أسفل ، ومعنى ذلك أنّ هناك طريقاً آخر آخذاً في السفالة والانحدار . ثمّ بيّن في قوله : ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ( البقرة : 108 ) أنّ الضلال عن سواء السبيل نحوٌ من الشرك . وبهذا ينقسم الناس في طرقهم بإزاء الهداية الإلهيّة إلى ثلاثة أقسام : مَن طريقه إلى فوق ، وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته . وهم المُنعم عليهم . مَن طريقه إلى السفل ، وهم المغضوب عليهم . ومَن ضلَّ الطريق ، وهو حيران فيه ، وهم الضالّون . تشتمل هذه الآية على مفردات ثلاث : أنعمت ، المغضوب ، الضالّين .