السيد كمال الحيدري

378

اللباب في تفسير الكتاب

الحياة ليست عند غيره . وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى ، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم شئ مما يقع عليه الحسّ أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان ، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلّا آية كاشفة عن الحقّ المتعال لا حجاباً ساتراً ، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين ويكشف لهم مما عنده من الحقائق المستورة عن هذه الأعين المادية العمية بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم كما يشير إليه قوله تعالى : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ( المطفّفين : 21 18 ) وقوله : ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) ( التكاثر : 6 5 ) . ثم إنّ هذه الدرجات الثلاث مترتّبة طولًا ، بمعنى أنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل الثانية ، ومن لم تحصل الثانية لا تحصل له الثالثة . ومن حصلت له الثالثة فقد حصلت له التي قبلها ، ثم ينعكس فقد تحصل الأولى ولا تحصل الثانية والثالثة وهكذا . الرابعة : جواب العرفاء عن إشكالية تحصيل الحاصل لكي يتّضح جواب إشكالية تحصيل الحاصل من قول المؤمن ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) على أساس الرؤية العرفانية ، لابدّ من الإشارة إلى أنّ الإنسان وهو في هذه النشأة يعيش أسفل سافلين في سُلّم نشآت عالم الإمكان ؛ قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ( التين : 5 4 ) فعليه بعد أن تبيّن له الهدف والطريق الموصل إليه ، أن يصعد إلى الأعلى ؛ قال تعالى : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) ( فاطر : 10 ) . ومن الواضح أنّ هذا الصعود ليس مكانياً بل هو معنوىّ ، ذلك أنّ