السيد كمال الحيدري

375

اللباب في تفسير الكتاب

إلى بطلان اختلاف الاستعدادات والأعمال والأحوال والملكات ، وانقلب بذلك النظام الإنسانى وما يحيط به ويعمل فيه من نظام إلى نظام آخر ، لا خبر فيه عن إنسان أو ما يشعر به . ببيان آخر : إنّ الهداية وإن كانت منه سبحانه كما عرفنا إلا أنّ ذلك لا يتنافى مع نظام السببية في هذا العالم ، بأن يوجِد الحقُّ تعالى سبباً ينكشف به المطلوب ويتحقّق به وصول العبد إلى غايته في سيره . وهذا ما بيّنه سبحانه بقوله : ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) ( الأنعام : 125 ) وقوله ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ( الزمر : 23 ) وتعدية ( تلين ) ب ( إلى ) لتضمين معنى مثل الميل والاطمئنان ، فهو إيجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئنّ إليه . الثانية : الهادي بالأمر الإلهى مهدى بنفسه لا بغيره بعد أن ثبت أنّ الهداية بجميع أنواعها إنّما هي لله سبحانه أوّلًا وبالذات ، وأنّ غيره إنّما يهدى بإذنه ، هنا نريد الإشارة إلى أنّ الذي يقوم بدور الهادي في الهداية التكوينيّة الخاصّة أي الإيصال إلى المطلوب لابدّ أن يكون مهديّاً بنفسه لا بغيره ، بمعنى أنه يكون مهدّياً من غير واسطة تتخلّل بينه وبين الله تعالى ، فيكون مهدّياً بالله ويهدى غيره بأمر الله التكويني كما عرفت . قال تعالى : ( أَ فَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّى إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ( يونس : 35 ) حيث قوبل في الآية بين قوله ( يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ ) وقوله ( أَ فَمَنْ يَهْدِى ) وأصله يهتدى ، أي من لا يهتدى إلّا أن يُهدى ، مع أنّ الهداية إلى الحقّ يقابلها عدم الهداية إليه ، وعدم الاهتداء إلى الحقّ يقابله الاهتداء إليه . ولازم المقابلة المذكورة في الآية هو الملازمة بين الاهتداء بالغير وعدم الهداية إلى الحقّ ، وكذا الملازمة بين الهداية إلى الحقّ والاهتداء