السيد كمال الحيدري

360

اللباب في تفسير الكتاب

( وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) ( غافر : 38 ) ، هذا في الهداية بمعنى إراءة الطريق . وكذا الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب ، والمطلوب في المقام الآثار الحسنة التي تترتّب على الاهتداء بهدى الله والتلبّس بالعبادة كالحياة الطيّبة المعجّلة في الدنيا والحياة السعيدة الأبديّة في الآخرة ، فمن البيّن أنّه من قبيل الصنع والإيجاد الذي يختصّ به تعالى ، فهو مما قضى الله به وأوجبه على نفسه وسجّله بوعده الحقّ ، كما في قوله : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( النحل : 97 ) ، إلَّا أنّه من جهة أخرى فقد نسب هذه الهداية كما تقدّم إلى غيره أيضاً بمقتضى قوله تعالى : ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) . والجواب : إنّ مقتضى التوحيد الأفعالى وإن كان يثبت أن لا مؤثّر في عالم الكون إلَّا الله سبحانه ، أي أنّه لا يوجد مؤثّر مستقلّ سواه ، إلَّا أنّ ذلك لا ينافي أن تكون هناك علل وسطيّة بمقتضى السببيّة لها التأثير في الأشياء بإذنه ومشيئته تعالى . وهذا هو الأسلوب الذي اعتمده القرآن الكريم في كثير من المجالات ، حيث ينفى كلّ كمال عن غيره تعالى ويحصره به سبحانه ، ثمّ يثبته لغيره بإذنه ومشيئته ، فيفيد أنّ الموجودات غيره لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها واستقلالها ، وإنّما تملكها بتمليك الله إيّاها ؛ ولذا قال علىّ أمير المؤمنين عليه السلام عن الاستطاعة : « تملكها بالله الذي يملكها من دونك . فإن ملّككها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، وهو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك » « 1 » ، وهكذا الحال في غير الاستطاعة من الكمالات

--> ( 1 ) تحف العقول عن آل الرسول ، مصدر سابق : ص 213 .