السيد كمال الحيدري

343

اللباب في تفسير الكتاب

هي المشار إليها بقوله : ( ولكل وجهه هو موليها ) ( البقرة : 148 ) وذلك الاتّصاف لا يحصل إلّابالتوجّه التامّ إلى جناب الحقّ المطلق سبحانه ، إذ به تقوى جهة حقّيته فتغلب جهة خلقيّته إلى أن تقهرها وتفنيها بالأصالة ، كالقطعة من الفحم المجاورة للنار ، فإنّها بسبب المجاورة والاستعداد لقبول النارية والقابليّة المختفية فيها ، تشتعل قليلًا قليلًا إلى أن تصير ناراً ، فيحصل منها ما يحصل من النار ، من الإحراق والإنضاج والإضاءة وغيرها ، وقبل الاشتعال كانت مظلمة كدرة باردة . وذلك التوجّه لا يمكن إلّا بالمحبّة الذاتيّة الكامنة في العبد ، وظهورها لا يكون إلّا بالاجتناب عمّا يضادّها ويناقضها ، وهو التقوى عمّا عداها . فالمحبّة هي المركب والزاد والتقوى . وهذا الفناء موجب لأن يتعيّن العبد بتعيّنات حقّانيّة إلهيّة وصفات ربّانيّة مرّة أخرى ، وهو البقاء بالحقّ ، فلا يرتفع التعيّن منه مطلقاً . وهذا المقام دائرته أتمّ وأكبر من دائرة النبوّة ، لذلك انختمت النبوّة ، والولاية دائمة ، وجعل الولىّ اسماً من أسماء الله تعالى دون النبىّ . ولمّا كانت الولاية أكبر حيطة من النبوّة وباطناً لها ، شملت الأنبياء والأولياء » « 1 » . وقال صدر المتألّهين : « لا يمكن للمعلولات مشاهدة ذاته إلّا من وراء حجاب أو حجب حتّى المعلول الأوّل ، فهو أيضاً لا يشاهد ذاته إلّا بواسطة عين وجوده ومشاهدة نفس ذاته ، فيكون شهود الحقّ الأوّل من جهة شهود ذاته ، وبحسب وعائه الوجودي لا بحسب ما هو المشهود ، وهذا لا ينافي الفناء الذي ادّعوه ، فإنّه إنّما يحصل بترك الالتفات إلى الذات والإقبال بكلّية الذات إلى الحقّ .

--> ( 1 ) شرح فصوص الحكم ، القيصري : ج 1 ص 168 .