السيد كمال الحيدري
340
اللباب في تفسير الكتاب
النوع الثاني : العبوديّة التكوينيّة وهى عبوديّة خارجة عن الاختيار ، وعامّة لكلّ المخلوقات وغير مختصّة بأحد دون آخر ، كما في الرحمة العامّة الشاملة لكلّ شئ ؛ قال تعالى : ( رحمتي وسعت كل شئ ) ( الأعراف : 156 ) . ومن الواضح أنّ هذه العبوديّة من لوازم الإيجاد والخلقة ، ولا تقبل الجعل والاتّخاذ ، فمثلًا كون الإنسان مملوك الوجود لربّه مخلوقاً مصنوعاً له ، سواء جرى في حياته على ما تستدعيه مملوكيّته الذاتيّة واستسلم لربوبيّة ربّه العزيز أو لم يجر على ذلك ، وهذا هو المقصود بقوله تعالى : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمنِ عَبْداً ) ( مريم : 93 ) . النوع الثالث : العبوديّة الاختياريّة ، وهى التي امتاز بها بعض المخلوقين بمحض إرادتهم بالقرب إلى الله تعالى . بيان ذلك : إنّ الإنسان مثلًا وإن كان مملوك الوجود لربّه مخلوقاً مصنوعاً له ، لكن قد يقوم بأدب المملوكيّة والعبوديّة لله تعالى وقد لا يقوم بذلك . فإذا قام بأدب العبوديّة والمملوكيّة وأسلم وجهه لربّه وأعطاه تدبير نفسه ، فهذه هي العبوديّة الخاصّة الاختياريّة ، وإليها الإشارة في آيات كثيرة ؛ قال تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ) ( الفرقان : 63 ) وقوله : ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) ( الحجر : 42 ) . وبهذا يتّضح أنّ جميع المخلوقات وإن كانت مملوكة له تعالى ولها عبوديّة عامّة تكوينيّة ، لكن البعض منها قام بأدب العبوديّة ، فعبد الله إمّا خوفاً أو طمعاً أو لأنّه أهلٌ للعبادة كما عرفت وهى التي أُشير إليها في حديث زيد الشحّام قال : سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول : « إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً . . . » « 1 » ، فهذه العبوديّة ليست هي
--> ( 1 ) الأصول من الكافي : كتاب الحجّة ، باب طبقات الأنبياء و . . . ، الحديث 2 ، ج 1 ص 175 .