السيد كمال الحيدري

327

اللباب في تفسير الكتاب

الثالثة : السبب في تقديم العبادة على الاستعانة لمّا كان إظهار العبوديّة في قوله : ( إياك نعبد ) لا يشتمل على النقص من حيث المعنى ومن حيث الإخلاص ، إلّا ما في قول العبد من نسبة العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود والقدرة والإرادة مع أنّه مملوك ، والمملوك لا يملك شيئاً ، فكأنّه تُدورك ذلك بقوله تعالى : ( وإياك نستعين ) أي إنّما ننسب العبادة إلى أنفسنا وندّعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلّين دونك . فقوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) لإبداء معنىً واحد وهو العبادة عن إخلاص ، ويمكن أن يكون هذا هو الوجه في اتّحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابي حيث قيل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) دون أن يُقال : إيّاك نعبد أعنّا . الرابعة : سبب تكرار « إيّاك » في الآية قد يُقال : إنّ السبب هو لتأكيد الحصر وتشديده في كلّ واحد من العبادة والاستعانة ، وفيه أنّ التكرار إنّما يكون تأكيداً إذا لم يكن معمولًا لفعل ثانٍ ، وإيّاك الثاني في الآية معمول لنستعين مفعول له ، فكيف يكون تأكيداً ؟ ولعلّ الوجه فيه أنّ التكرار إنّما هو للإشعار بأنّ حيثيّة تعلّق العبادة به تعالى غير حيثيّة تعلّق طلب الاستعانة منه سبحانه ، ولو قال : إيّاك نعبد ونستعين ، لتوهّم أنّ الحيثيّة واحدة ، والشأن ليس كذلك ؛ إذ لابدّ في طلب الإعانة من توسّط صفة ، وليس كذلك في العبادة . ويمكن أن يكون سبب التكرار ، لأجل دفع توهّم ما دأب عليه المشركون من التشبّث بالأصنام ، فيعبدونهم ويستمدّون منهم العون ، فلابدّ حينئذ من تكرار الأسماء الخاصّة والأوصاف المخصوصة والضمائر