السيد كمال الحيدري
322
اللباب في تفسير الكتاب
المساق ، هناك يفوز المؤمن بلذّة الحضور ويتبلّج جبينه بأنوار الفرح والسرور ، ويخلو به الدّيان وليس بينه وبينه حجاب . وليس ذلك بالضرورة في النشأة الأُخرى ، بل يمكن للبعض أن يموت وهو في هذه النشأة وذلك من خلال الموت الإرادى الذي يحصل للسالكين المتوجّهين إلى الحقّ قبل وقوع الموت الطبيعي ، فينكشف للسالك ما ينكشف للميّت ، وهو المسمّى بالقيامة الصغرى . الثانية : سبب الحصر في الآية لا ريب أنّ « إيّاك » في كلا الموردين مفعول قدّم على الفعل لإفادة الحصر ، وقد أطلَق عليه تعالى في القرآن بضمير الغيبة وضمير المتكلّم مع إفادتهما الحصر أيضاً ؛ قال تعالى : ( امر الا تعبدوا الا إياه ) ( يوسف : 40 ) ، وقال : ( ان ارضى وسعه فايى فاعبدون ) ( العنكبوت : 56 ) . وهذا الحصر يمكن أن يكون لنكات عديدة منها : تنبيه العابد من أوّل الأمر على أنّ المعبود هو الله تعالى ، فلا يلتفت يميناً وشمالًا ، ولا يتكاسل في الطاعات ولا يثقل عليه تحمّل العبادات ، فإنّه إذا ذكر قوله : « إيّاك » يحضر في قلبه معرفة الربّ تعالى ، وعندها يقوى على حمل ثقل العبوديّة . وتقديم ما هو مقدّم في الوجود ، فإنّه تعالى متقدّم في الوجود والشرف على الممكن ، وكان ينبغي أن يكون ذكره متقدّماً على ذكر غيره ، ليوافق الذكر والخطاب ما هو الواقع الخارجي . والإشارة إلى حال العارف ، وأنّه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أوّلًا وبالذات ، وإلى العبادة من حيث إنّها وصلة إليه ، فيبقى مستغرقاً في مشاهدة أنوار جلاله ، مستقرّاً في فردوس أنوار جماله ، وكم من فرق بين قوله تعالى لهذه