السيد كمال الحيدري

320

اللباب في تفسير الكتاب

نكات مستفادة من الآية الأُولى : سبب العدول من الغيبة إلى الخطاب الانتقال من أسلوب الحديث بطريق الغائب الذي ابتدأ من قوله ( الحمد لله ) إلى قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) إلى أسلوب الخطاب ابتداءً من قوله : ( إياك نعبد ) إلى آخر السورة ، فنّ بديع من فنون الكلام البليغ عند العرب ، وهو المسمّى في علم البلاغة « التفاتاً » . وضابط ذلك أنّ المتكلّم بعد أن يعبّر عن ذاتٍ بأحد طرق ثلاثة من تكلّم أو غيبة أو خطاب ينتقل في كلامه ذلك فيعبّر عن تلك الذات بطريق آخر . ولأهل البلاغة عناية بالالتفات ، لأنّ فيه تجديد أسلوب التعبير عن المعنى بعينه ، تحاشياً من تكرّر الأسلوب عدّة مرّات ، فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع كي لا يملّ من إعادة أسلوب بعينه . قال السكاكى بعد أن ذكر أنّ العرب يستكثرون من الالتفات : « أفتراهم يُحسنون قِرى الأشباح فيخالفون بين لون ولون وطعْم وطعْم ، ولا يحسنون قِرى الأرواح فيخالفون بين أسلوب وأسلوب » . فهذه فائدة مطّردة في الالتفات ، إلّا أنّ الأمر لا يقتصر على ذلك بل هناك لطائف ومناسبات أخرى كثيرة ، يمكن استخراجها منها : الأولى : لمّا كان المملوك في الملك الحقيقي متقوّم الوجود بمالكه ، فلا يكون حاجباً عن مالكه ولا يحجب عنه ، فإنّك إذا نظرت إلى دار زيد ، فإن نظرت إليها من جهة أنّها دار أمكنك أن تغفل عن زيد ، وإن نظرت إليها بما أنّها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد . ولما عرفت أنّ ما سواه تعالى ليس له إلّا المملوكيّة فقط ، وهذه حقيقته ،