السيد كمال الحيدري
316
اللباب في تفسير الكتاب
التوحيد في الخالقيّة والربوبيّة . فما لم يكن الإنسان موحِّداً في الخالقيّة والربوبيّة لا يمكن أن يكون موحِّداً في العبوديّة والطاعة لربّه . ولو أشرك في الخالقيّة والربوبيّة فلا ريب أنّه سيكون مشركاً في العبادة والعبوديّة ، وإذا صار موحِّداً فيهما حصر عبادته بالله وتحرّك في الطاعة والعبادة له دون ما سواه . وهذا ما أكّدته نصوص قرآنيّة عديدة ؛ قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ( الأنعام : 163 162 ) حيث رتّبت العبادة على الربوبيّة وربطت بينهما على نحو وثيق ، فالعبادة لابدّ وأن تكون لله ، والسبب لأنّ الله سبحانه هو ربّ العالمين . بلغة منطقية : فإنّ الحدّ الأوسط في هذا القياس الذي يربط بين المقدّمتين ، ويثبت ضرورة أن تكون العبادة لله وحده ، يتمثّل في أنّه سبحانه « ربّ العالمين » فالآية تنصّ : ( ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ) لماذا ؟ لأنّه سبحانه ( رب العلمين * لا شريك له وبذلك أمرت وانا أول المسلمين ) . وكذلك قوله تعالى : ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ) ( الكهف : 15 14 ) ، وكذلك ما ورد في قوله : ( مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلَا تَذَكَّرُونَ ) ( يونس : 3 ) ، فقد رتّبت العبادة على الربوبيّة ، فإذا ثبت أنّه ربّ ( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ) فتجب له العبادة ( فاعبدوه ) . ممّا تقدّم يتّضح عدم تماميّة ما ذكر في كلمات جملة من المفسّرين أنّ العبادة المصطلحة هي : خضوع وتذلّل أو نهاية الخضوع والتذلّل أو نهاية الخضوع بين يدي من تدرك عظمته وكماله ، وإنّما الصحيح أنّها : إظهار الخضوع أمام موجود مقروناً بالاعتقاد بألوهيّته وربوبيّته وأنّه مالك حقيقي لشأن من شؤون العابد .