السيد كمال الحيدري

310

اللباب في تفسير الكتاب

التعريف الأوّل : العبادة هي : الخضوع أمام من يعتقد به أنّه يملك شأناً من شؤون وجود العابد وحياته ومماته ، عاجله وآجله . توضيح ذلك : إنّ العبوديّة من شؤون المملوكيّة ومقتضياتها ، فعندما يحسّ العابد في نفسه بنوع من المملوكيّة ويحسّ بالمالكيّة في الطرف الآخر ، يُفرغ إحساسه هذا في الخارج في ألفاظ وأعمال خاصّة ، وتصير تلك الألفاظ والأعمال تجسيداً لهذا الإحساس ، ويكون كلّ عمل أو لفظ مُظهِر لهذا الإحساس العميق عبادة . ولا شكّ أن ليس المقصود بالمالكيّة هنا مطلق المالكيّة ، فالاعتقاد بالمالكيّة الاعتباريّة لا يكون أبداً موجباً لصيرورة الخضوع والتذلّل عبادة ، وإنّما المقصود منها هي المالكيّة القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شؤون التكوين ، وهى التي عبّرنا عنها بالمالكيّة الحقيقيّة الثابتة له تعالى لكلّ عالم الإمكان . ومنشأ هذا السنخ من المالكيّة هو كونه سبحانه خالقاً لكلّ شئ ؛ قال تعالى : ( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ( المؤمن : 62 ) . ومن الواضح أنّ الملك الحقيقي لا ينفكّ عن التدبير ، فإنّ الشئ إذا افتقر في وجوده إلى شئ فلم يستقلّ عنه في وجوده ولم يستقلّ عنه في آثار وجوده ، فهو تعالى ربّ لما سواه ، لأنّ الربّ هو المالك المدبّر وهو تعالى كذلك . وإلى ذلك يرجع ما قد يفسّر العبادة بأنّها خضوع أمام من يعتقد بربوبيّته ، فمن كان خضوعه وتذلّله العملي أو القولي أمام أحد نابعاً من الاعتقاد بربوبيّته كان بذلك عابداً له . ويدلّ على ذلك أنّ قسماً من الآيات تعلّل الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأنّه الربّ كقوله تعالى : ( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ( الأنبياء : 92 ) ، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ( آل عمران : 51 ) وغير ذلك من