السيد كمال الحيدري

307

اللباب في تفسير الكتاب

بعد أن مجّد الله تعالى نفسه بالآيات المتقدِّمة ، لقّن عباده أن يتلوا هذه الآية الكريمة وأن يعترفوا بمدلولها ومغزاها ، بأن لا يعبدوا إلّا الله ولا يستعينوا إلّا به ، لأنّ ما سواه سبحانه من الموجودات فقير في ذاته عاجز في نفسه ، ومن هذا شأنه لا يستحقّ أن يُعبد أو يستعان . والممكنات كلّها وإن اختلفت مراتبها بالكمال والنقص تشترك في صفة العجز اللازمة للإمكان ، وفى أنّ جميعها تحت حكم الله وإرادته وتدبيره : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( الأعراف : 54 ) . من هنا يقع الحديث في مفردات هذه الآية : العبادة ، الاستعانة ، إيّاك . ( 11 ) المفردة الأُولى : العبادة في هذه المفردة عدّة أبحاث : البحث الأوّل : العبادة لغةً ذكرت في كتب اللغة معانٍ عديدة للعبادة : قال ابن فارس : « العين والباء والدال أصلان صحيحان ، كأنّهما متضادّان . والأوّل من ذينك الأصلين يدلّ على لين وذُلّ ، والآخر على شدّة وغلظ . فالأوّل : العَبد ، وهو المملوك ، والجماعة العبيد ، وثلاثة أعبُد وهم العِباد . قال الخليل : إلّا أنّ العامّة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله والعبيد المملوكين ، ولم نسمعهم يشتقّون منه فعلًا ، ولو اشتقّ لقيل : عَبُد ، أي صار عبداً وأقرّ بالعبودة ، ولكنّه أُميت الفعل فلم يستعمل . قال : وأمّا عَبَد يعبُد عبادة فلا يقال إلّا لمن يعبُد الله تعالى ، يقال منه عَبَد