السيد كمال الحيدري
30
اللباب في تفسير الكتاب
يثبت أنّ نزوله كان في ليلة واحدة منه ، لكن مع ذلك سنقف أمام قدر من الإبهام في المراد من هذه الليلة المباركة التي نزل فيها القرآن الكريم ، فما هي هويّتها ؟ هنا يأتي نصّ قرآنىّ ثالث لرفع هذا الإبهام وهو قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ( القدر : 1 ) وبذلك يتبيّن لنا أنّ هويّة الليلة المباركة هي ليلة القدر من هذا الشهر الكريم . بهذا المثال التقريبى يكون قد اتّضح لدينا سقف من سقوف تفسير القرآن بالقرآن ، وهناك سقوف ومستويات أخرى غاية في التعقيد وتحتاج إلى فنّ وإتقان وبُعد نظر كما ستقف عليه في بحوث هذا التفسير . ويمكن عدّ هذا المنهج أي تفسير القرآن بالقرآن هو الأتمّ والأكمل ، لذا اعتمده جملة من أعلام المفسِّرين ؛ كالطبري والرازي والطوسي والطبرسي والطباطبائى . ولعلّ من أهمّ ما يستدلّ لإثبات هذا المنهج هو أن يُقال : إنّ القرآن وصف نفسه بأنّه نورٌ وأنّه هدىً وأنّه تبيان ، فكيف يتصوّر كتاب له مثل هذه الأوصاف مفتقراً إلى هادٍ غيره ومستنيراً بنور غيره ومبيناً من خلال غيره ؟ قال الطباطبائي في تفسيره : « إنّ الطريق لفهم القرآن يمرّ من خلال منهجين : أحدهما : أن نبحث بحثاً علميّاً أو فلسفيّاً أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرّض لها الآية حتّى نقف على الحقّ في المسألة ، ثمّ نأتى بالآية ونحملها عليه . وهذه طريقة وإن كان يرتضيها البحث النظري ، غير أنّ القرآن لا يرتضيها . ثانيهما : أن نفسِّر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبّر