السيد كمال الحيدري

273

اللباب في تفسير الكتاب

جلىّ يلمسه الإنسان بالوجدان ، فالإنسان العادي يدرك أنّه لولا الماء لما استطاع أن يعيش ، ولولا الغذاء لما دامت له الحياة ، ولولا الجاذبيّة لما استطاع أن يستقرّ ، وهكذا إلى ملايين الروابط الجليّة والخفيّة . ولازم ذلك أنّ التدبير مآله إلى إيجاد هذه العلائق والارتباطات بين أشياء الوجود ومكوّناته على نحو خاصّ لبلوغ غاية معيّنة . وحين يكون هذا هو معنى التدبير ، فكأنّك قلت : إنّ الله خلق الأشياء وروابطها بعضها مع بعض ، وإنّما هو التحليل العقلي الذي يقود إلى التجزئة لأغراض تمليها المعرفة لأغراض الدراسة والبحث . ببيان آخر : إنّنا على مستوى الوجود الخارجي وبالحمل الشائع لسنا بإزاء وجودين وحقيقتين خارجيّتين هما : الأشياء وروابطها ، بل هما شئ واحد وجوداً . نعم ، على مستوى المفهوم أي بالحمل الأوّلى ، فإنّ مفهوم الخالقيّة يختلف عن مفهوم الربوبيّة والتدبير كما هو واضح . في ضوء هذا التحليل : لو أخذنا الإنسان مثالًا فهو مخلوق على نحو مضطرّ فيه إلى هذه العلائق بينه وبين الأشياء للوصول إلى كماله اللائق به ، كما هو الحال في علاقته مع الهواء والماء والغذاء والضياء ، بحيث لو فصلناه عن هذه الارتباطات لانتهى وجوده . وبهذا يتبيّن أنّ هذه الارتباطات أخذت في نحو وجود هذا الموجود ، لا أنّ هذا الموجود شئ والارتباطات شئ آخر وراء وجوده . حين تكون هذه المقدّمات واضحة ، ستكون المعادلة كما يلي : الربوبيّة أو لاالتدبير هو إيجاد الارتباط بين الأشياء ، والارتباط مرجعه إلى نحو الوجود ، ونحو الوجود أوجده الخالق ، وحيث إنّ الخالق واحد ، فالربّ والمدبّر واحد أيضاً ، وهو المطلوب .